فخر الدين الرازي

23

تفسير الرازي

إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * . إعلم أنه تعالى ذكر هاهنا قصصاً ثلاثة : الأولى : منها في بيان إثبات العلم بالصانع ، والثانية : في إثبات الحشر والنشر والبعث ، والقصة الأولى مناظرة إبراهيم صلى الله عليه وسلم مع ملك زمانه وهي هذه الآية التي نحن في تفسيرها فنقول : أما قوله تعالى : * ( ألم تر ) * فهي كلمة يوقف بها المخاطب على تعجب منها ، ولفظها لفظ الاستفهام وهي كما يقال : ألم تر إلى فلان كيف يصنع ، معناه : هل رأيت كفلان في صنعه كذا . أما قوله : * ( إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ) * فقال مجاهد : هو نمروذ بن كنعان ، وهو أول من تجبر وادعى الربوبية ، واختلفوا في وقت هذه المحاجة قيل : إنه عند كسر الأصنام قبل الإلقاء في النار عن مقاتل ، وقيل : بعد إلقائه في النار ، والمحاجة المغالبة ، يقال : حاججته فحججته ، أي غالبته فغلبته ، والضمير في قوله * ( في ربه ) * يحتمل أن يعود إلى إبراهيم ، ويحتمل أن يرجع إلى الطاعن ، والأول أظهر ، كما قال : * ( وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله ) * ( الأنعام : 80 ) والمعنى وحاجه قومه في ربه . أما قوله : * ( أن آتاه الله الملك ) * فاعلم أن في الآية قولين الأول : أن الهاء في آتاه عائد إلى إبراهيم ، يعني أن الله تعالى آتي إبراهيم صلى الله عليه وسلم الملك ، واحتجوا على هذا القول بوجوه الأول : قوله تعالى : * ( فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً ) * ( النساء : 54 ) أي سلطاناً بالنبوّة ، والقيام بدين الله تعالى والثاني : أنه تعالى لا يجوز أن يؤتي الملك الكفار ، ويدعي الربوبية لنفسه والثالث : أن عود الضمير إلى أقرب المذكورين واجب ، وإبراهيم أقرب المذكورين إلى هذا الضمير ، فوجب أن يكون هذا الضمير عائداً إليه والقول الثاني : وهو قول جمهور المفسرين : أن الضمير عائد إلى ذلك الإنسان الذي حاج إبراهيم . وأجابوا عن الحجة الأولى بأن هذه الآية دالة على حصول الملك لآل إبراهيم ، وليس فيها دلالة على حصول الملك لإبراهيم عليه السلام . وعن الحجة الثانية بأن المراد من الملك هاهنا التمكن والقدرة والبسطة في الدنيا ، والحس يدل على أنه تعالى قد يعطي الكافر هذا المعنى ، وأيضاً فلم لا يجوز أن يقال : إنه تعالى أعطاه الملك حال ما كان مؤمناً ، ثم أنه بعد ذلك كفر بالله تعالى . وعن الحجة الثالثة بأن إبراهيم عليه السلام وإن كان أقرب المذكورين إلا أن الروايات الكثيرة